بين جسر الائمة وجسر الوند .. قصة لمدينة جريحة .

 

هيوا علي اغا

هولندا

 

الحسينية الکبيرة او هکذا يحب اهل خانقين تسميتها ، لکي يتم التفريق بينها وبين الحسينية الصغيرة ، الصغيرة تقع في منطقة المزرعة في خانقين ، وکان خادمها ومؤذنها زمان ( الحاج عباس ) رحمه الله برحمته الواسعة واسکنه فسيح جناته ، هذا الرجل الذي کان اول شخص وقف في خانقين على دبابة ترکها ازلام البعث بعد فرارهم من المدينة ابان انتفاضة اذار المبارکة ، وقف لينادي باعلى صوته مهلهلا معبرا عن فرحه بتحرير مدينة خانقين ، ولکن واه منك ايتها الملعونة ( لكن ) لم تمض ساعات ويعود جيش الغدر ليأخذوا الحاج عباس بعمره جاوز الستون ومعه العشرات من ابناء المدينة ، الى غياهب المجهول ، ليتم بعذ ذلك اکتشاف اسمائهم ضمن المقابر الجماعية .

اما الحسينية الکبيرة فهي تقع بالقرب من جسر الوند القديم والتاريخي ، وکانت اول معلم يصادفك عند دخولك المدينة زمان ، قبل بناء الجسرين الجديدين ، الحسينية اصبحت تدار من قبل عائلة من سادة ال شبر ، واصبح السيد الذي يدير الحسينية ويخطب فيها يسمى خانقينيا ب ( آغا سيد ) .. هذه الحسينية التي تقع خلفها الجامع الکبير في خانقين ، ليکونا بذلك رمز الاخوة الخانقينية  في المدينة ، ويقفا ناظرين مع کل غروب وشروق لنهر الوند الخالد ، مکبرين على ضفته ومتعطرين بعطر بساتينه الوفيرة ومتوضئين  بمائه .

الى ان جاء ذاك اليوم الجمعة الاسود ، ليقلب صورة المدينة الهادئة  ويغير لون الوند ، وينشر الرعب في المدينة ويقتل بسمة العشرات من الاطفال الذين فقدوا الاباء والاخوة ..، اهتزت خانقين في منتصف الظهيرة على صوت انفجارين ، وقعا بفارق ثلاث دقائق او اکثر بقليل ، ليتم تفجير حسينيتي خانقين ( من قبل دابتي تفجير على شکل ادمي  واسفي للدواب من استخدام اسمها فوالله الدواب لتشمئز بالتفکير بمثل مايفکر به هؤلاء حثالات التکفير وخريجي الفکر القاتل )  بالمصلين الذين أموا اليها في ذلك اليوم ، بدأت المکبرات والاذاعة الداخلية تنادي لمساعدة المنکوبين ... اخراج الشهداء من تحت الانقاض .. ايصال الجرحى الى المستشفيات ..، وهنا ظهرت المآسي التي هي بحاجة الى ايام للحديث عنها ، هرع الناس جميعا الى التبرع بالدم ، ولکن ادارة المستشفى ترد بعدم وجود اکياس للدم يمکن تعبئته فيها ، الجرحى لايوجد مولد للکهرباء ممکن ان يتم اي عملية انقاذ لهم ، الخدمات الصحية تکاد تکون منعدمة في مستشفى المدينة ، کل هذا لماذا ؟!.

کما قلت هذه المأساة اي مأساة اهل خانقين مع مستشفاهم تحتاج الى العديد من المقالات لشرحها ، ولکن مااقوله الان ان خانقين تقع ضمن السلطة الادراية لمحافظة ديالى ومرکزها بعقوبة وماادراك مابعقوبة ، مدينة القتل نهارا والاشباح ليلا .

ولاني سوف اعود الى موضوع نقص الخدمات مع مسألة الوضع الاداري لخانقين في مقال لاحق ، فاود هنا الحديث حول مسألة الفاجعة نفسها ، وکما هو معلوم ان فاجعة جسر الائمة کانت مصيبة حلت باغلب العراقيين نتيجة لحجم الکارثة وعدد من فقد فيها من شهداء حيث ناهز الالف ، وليس استخفافا من تلك الفاجعة ، ولکني اسأل ومعي کل الخانقينين لو قسنا تلك الفاجعة مع مستوى المساحة التي اصابتها ، ماذا يظهر لنا .. ان فاجعة جسر الائمة وقعت في يوم مناسبة دينية شاملة ، اي وبلا شك ان زوار الامام موسى الکاظم کانوا ذلك اليوم من کل بقعة من المدن الشيعية من بغداد وحتى من خارج بغداد وقيل ان عددهم وصل الملايين ، اي لو اننا اردنا ان نکون دقيقين فان الفاجعة قد يکون ان کان فيها اناس حتى من خارج بغداد وقد يکون حتى من خارج العراق ، اي ان المصيبة مع انها کبيرة ولکنها ستکون اخف عندما توزع على مدن ومحافظات شتى ..، اما فاجعة خانقين فانها ترکزت في خانقين نفسها ، ولم تصب الا ابناء الوند وکانت على مستوى مدينة لايتعدى نفوسها المائة الف ، اذن کيف سيکون وقع حادثة کهذه يستشهد فيها خمسة وثمانون ويجرح فيها اکثر من مائة وخمسون ، انا هنا لست بصدد الاستهانة بفاجعة جسر الائمة ، ولکن اود من القارئ الکريم ان يعمل مقارنة بين الاهتمام الرسمي من قبل الحکومة وفضائيتها وباقي الفضائيات لفاجعة جسر الائمة ، وما قامت به نفس الحکومة تجاه فاجعة خانقين ، لنکتشف بذلك مأساة اصابت هذه المدينة منذ عشرات العقود من الزمن ومازالت تعاني منه .

نعم اکتفت الحکومة باستنکار بارد وتنديد روتيني ، ليتم بعد ذلك اهمال القضية ولسان حالهم يقول الکوردي کوردي حتى لو کان مذهبه مثل مذهبنا  ويعتقد بمثل مانعتقد ، وانا هنا لست بصدد ان استغل الموضوع سياسيا ، ولکن الحکومة اثبتت هذا بکل ماحدث في خانقين بعد الحادث ، فحکومة اقليم کوردستان اعلنت مباشرة بانها ستقوم باعمار الحسينيتين على ميزانية کوردستان ، وکذلك تبرعت بمبلغ مالي لکل عائلة من عوائل الشهداء ، وهناك حديث الان لبناء بيوت لذوي الضحايا واقتطاع راتب شهري يعيل اسرهم بعد فقد معيلها ، حيث کان من بين الشهداء اکثر من شهيد لم يمر على زفافه سوى بضعة اشهر ، في الوقت الذي کما قلت بان خانقين هي تابعة لمحافظة ديالى اداريا .. کما ان عدد الجرحى الذين نقلوا الى مستشفيات محافظة السليمانية ، اي مدينة السليمانية والاقضية والنواحي التابعة لها والقريبة من خانقين کمدينة کلار ودربندخان وغيرها ، قد فاق عدد الجرحى الذين تم نقلهم الى المدن التابعة اداريا الى ديالى وقريبة من خانقين ، ومنها بعقوبة نفسها والعدد فاق المقارنة .. علما ان مدينة بعقوبة اقرب مسافة الى خانقين من السليمانية المرکز .

وهنا وللشهادة والتاريخ اقوله ، ان محافظ ديالى حظر الى المآتم ، وشارك في العزاء .. وان اهالي المدينة راضون الى حد ما عن ادائه شخصيا ، ولکن المشکلة بان بعقوبة بدوائرها قد تم زرعها بالعناصر الشوفينية من قبل المحافظ السابق ، الذي کان من الد اعداء خانقين ، وقد دعى وسعى والح في اعادة التعريب الى خانقين في قصة نشرت تفاصيلها في العام الماضي ، هذا المحافظ الذي يعاني اهالي خانقين من سياساته الرعناء الى اللحظة ، وزرعه لعناصر مناوئة لکل ماهو کوردي في دوائر المحافظة ، ومشارکته وتخطيطه الکامل لعملية استشهاد کوکبة من شباب خانقين داخل مدينة بعقوبة ، ابان توليه منصب المحافظ ، والامرُّ من هذا انه رشح نفسه للمجلس الوطني القادم واسمه ( عبد الله الجبوري ) .

لقد اثبت الکورد في ذلك اليوم بانهم الظهير لبعضهم ، ولايقف للکوردي في محنته الا الکوردي ، مهما اختلف مذهبه او دينه .. ومدينة خانقين التي اصبحت مفخرة المدن الکوردية بعد ان انهت الاوضاع الشاذة التي ترتبت على عمليات التعريب ، بمدة زمنية لايتعدى الاسبوع او العشرة ايام ، لتکون بذلك کما قلت مفخرة لکل المدن الکوردستانية وتکتب من ذهب اسماء ابنائها البررة الذين کانوا دائما السباقين الى ساحات النضال الکوردستاني ، لتمتزج دمائهم مع ماء الوند الطاهر ، فتروي بساتينه المترامية حول ضفتيه ، تلك البساتين التي ظلت وفية لابناء المدينة ايام النضال السلبي واختبائهم في ظلالها وتکون اليوم شاهدة على زوال ظلم الطاغوت ابن العوجاء الذي دام على هذه المدينة ، مبتهلة الى الله کل مع کل اشراقة لشمس خانقين ان يمحي کل اثار الظلم الذي تعاني منه .

نعم کان اهالي السليمانية وکلار ودربندخان عندما سمعوا بنداء الاستغاثة والکارثة التي حلت بخانقين ، يهرعون الى المستشفيات طالبين ان يسمح لهم بالتبرع بالدم ، حتى وصل الحال ان ادارة المستشفى رفضت کون الکمية بلغت اکثر من المطلوب بعدة مرات ، ولکن المواطنين اصروا على التبرع ، کعملية بسيطة في مشارکتهم وجدانيا عزيزة کوردستان بمصابها الاليم بابنائها ... وهذا الذي اذکر ليس من باب الخيال او التضخيم ، انما شاهد حال بنفسي ومصادر من داخل مستشفى خانقين .. مستشفى خانقين الذي لايوجد لديها سوى سيارتي اسعاف مخصصة لها من قبل ادارة بعقوبة ، احداهما عاطلة .. مما اضطر السلطات في خانقين ان يطلبوا من الاهالي بنقل الجرحى بسياراتهم الخاصة الى مستشفيات محافظة السليمانية .. ولکن لم تمض الا ساعة او اقل وقد وصلت قوافل من سيارات الاسعاف من المدن الکوردستانية القريبة وکذلك سيارات الاهالي في مدن کلار ودربندخان ، ليساعدوا في نقل الجرحى .

نعم ان ماحصل يوم الجمعة الاسود ، وما قبله والذي جاء بعده ، لَيُؤکد حقيقة مطلب اهل المدينة والداعي الى الحاق القضاء اداريا باقليم کوردستان ، لتنهي بذلك ظلما لحق بهذه المدينة دام لمدة اکثر من ثمانين سنة ولازالت تعاني منه .