التنمية المستدامة في العراق الحديث

"العقل لا يقاس ولا يوزن لكن الخفيف منه حمله ثقيل"

 

المهندس الاستشاري/ سلام ابراهيم عطوف كبة

 

 

    حجم الافتقار الى الحكمة السياسية في بلادنا والمضي قدما في القمع والاضطهاد والسياسة اللاديمقراطية واللاانسانية من قبل الدكتاتورية البائدة  من جهة ، والحظر الاقتصادي المنهك المستمر من جهة أخرى .. حجم الجهد المبذول لتقليص المعاناة الإنسانية ودفع بالوضع الاجتما- اقتصادي من سيء الى اسوأ! وتسببت السياسة الاقتصادية التي أنتهجها النظام الدكتاتوري على تعميق معاناة الشعب،وفشلت السلطات العراقية مرارا في تلبية الاحتياجات الأساسية في ميادين الصحة، التعليم، المياه الصالحة للشرب، الصرف الصحي، والصناعة النفطية.ان النظام الدكتاتوري لم يتصرف بمسؤولية فحسب ، بل وظف معاناة الشعب وتدني مستوياته المعيشية للأغراض السياسية. وفشلت السلطات الجديدة في حقبة ما بعد التاسع من نيسان  هي ايضا في تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي وتهاونت في معالجة ملفات الأمن والإرهاب ومحاولات غسل ذاكرة الشعب العراقي الوطنية ، وفي تكريس الفساد والافساد منهجا بحكم الطائفية السياسية والمحاصصات الطائفية وسيادة الولاءات الرجعية – دون الوطنية. يعيش الاقتصاد العراقي أزمة عميقة وشاملة تمتد جذورها إلى السياسات الاقتصادية للنظام المباد، وظهرت تجلياتها بوضوح  إبان الحرب العراقية- الإيرانية ، ثم استفحلت واتسعت مدياتها واتخذت بعدا كارثيا غداة حرب الكويت وتداعياتها ، خاصة منها الحصار الاقتصادي المنهك. واكتسبت الأزمة ملامح جديدة بعد سقوط النظام في 9 نيسان 2003 ، واحتلال البلاد وتكريس ذلك دوليا في قرار مجلس الامن الدولي رقم 1483، وما اعقب ذلك من آثار سلبية جرّاء السياسات الاقتصادية لسلطة الاحتلال.   

    التبست على المواطن العراقي المفاهيم الاجتمااقتصادية من قبيل الاعمار واعادة الاعمار والتخطيط والتنمية والانماء والبرمجة والتنمية المستدامة والتنمية البشرية .. الخ. لقد قام قادة أكثر من مائتين وسبعين دولة بالتصديق على فكرة التنمية المستدامة تصديقا رسميا فى مؤتمر قمة الأرض في ريودوجانيرو عام 1992، بعد الاطلاع على التقرير الذى رفعته اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية فى عام 1987... وسعت اللجنة المعنية بالبيئة والتنمية التابعة للأمم المتحدة والأجهزة التابعة لها لوضع تعريف للتنمية المستدامة يتلخص في الارتقاء برفاهية الإنسان والوفاء بالاحتياجات الأساسية للفقراء وحماية رفاهية الأجيال القادمة والحفاظ على الموارد البيئية ودعم أنظمة الحياة على المستوى العالمى وفى الحدود المسموح بها، والعمل على إدخال الأطر الاقتصادية والبيئية عند وضع القرار.ومع إصدار تقرير التنمية البشرية لعام 1994 فان  مفهوم الأمن البشري لم يقتصر على امن الدولة بل شمل امن الانسان وامن المجتمع بشكل يضمن حقوق المواطنين إضافة إلى انه اخذ أبعادا متعددة .

·       جدلية التخطيط والتنمية

     التخطيط عملية شاملة تمس جوانب المجتمع الاجتمااقتصادية والثقافية والعلمية الخ ... وتستجيب الى قانون التطور المبرمج والنسبي للاقتصاد الوطني ، واهمية التوازن بين الفروع الرئيسية للاقتصاد الوطني ..، وتقليل اثر التقلبات الاقتصادية غير العادية واختلال التوازن غير الاعتيادي والازمات. ويستند التخطيط على جملة مبادئ في مقدمتها : ارتباط الجهة العليا في جهاز التخطيط باعلى جهة في الجهاز التنفيذي وتضم في عضويتها الخبراء في الميادين السياسية و الاجتمااقتصادية ، وجوب اقرار مجلس التخطيط " الممثل للشعب والمنتخب من قبله" الخطط التنموية قبل المباشرة بالتنفيذ ، التخطيط عملية شاملة ولجهاز التخطيط الاسبقية على اجهزة الدولة كلها ، وجوب تواجد جهاز فني مركزي للتخطيط يضم الكادر الفني المدرب على اعمال التخطيط ، وجود الجهاز الاحصائي المحوسب القوي تحت تصرف الجهاز الفني المركزي للتخطيط ، وجوب تواجد جهاز متابعة ومراقبة ورصد قوي لمتابعة تنفيذ الخطط التنموية ، لا يمكن الحديث عن التخطيط دون المشاركة الحقيقية للجماهير في مناقشة ودراسة اوضاعه وتعقيداته واشكالياته وتوفير مستلزمات نجاحه على أسس طوعية وديمقراطية،وعبر الاحترام الكامل لحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية واحترام التعددية السياسية والابتعاد عن القهرية الحزبية والميكافيلية والتدخل في الحياة الشخصية للناس! إن المصيبة التي تكاد أن تكون معضلة لا حل لها هي عدم الاستماع وغلق الآذان وكأن الأمور لا تعني الشعب بل تعني المسؤولين فقط وكأنهم الأكثر إخلاصا من غيرهم .. ويقوم الجهاز المركزي للتخطيط بتحديد النسب الرئيسية في عملية التنمية اي افضل النسب بين : الانتاج والاستهلاك والتراكم ، انتاج سلع الانتاج وانتاج سلع الاستهلاك ، الانتاج في القطاعات الاقتصادية الرئيسية ( الصناعة والزراعة والنقل ... الخ)، الصناعة الاستخراجية والصناعة التحويلية ، احتياطي العمالة واحتياجات الانتاج في العمل ، انتاجية العمل والاجور ، توزيع الانتاج اقليميا ، الاستهلاك الجماعي للخدمات والاستهلاك الفردي للخدمات ، ... الخ. ويستلزم التخطيط الاقتصادي تحقيق الاستقلال السياسي وانتزاع السلطة من ايدي كبار الملاكين والبرجوازية المرتبطة اقتصاديا بالاحتلال (الكومبرادورية والطفيلية) والبورجوازية البيروقراطية في القطاع العام والحثالات الطبقية من القطاعات الطبقية المهمشة قسرا والمنبوذة او المتساقطة في معمعانة الصراع الطبقي حامي الوطيس والقوى الطبقية الرجعية المختلفة ... اي تصفية العلاقات الانتاجية شبه الاقطاعية والسيطرة على تطور العلاقات الانتاجية الراسمالية وتحديدها في الريف.. كل ذلك يستلزم ايضا : الوقوف بحزم أمام دعوات حذف وتهميش قطاع الدولة وهي دعوات تلقي الدعم الواسع من المؤسسات الاقتصادية العالمية في الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فإمكانيات القطاع العام على تخصيص الاستثمارات السنوية الممكنة تزيد بأضعاف مضاعفة قدرات القطاع الخاص والأهلي والتعاوني والمختلط  معا ومما يعزز من ريادة هذا القطاع حاليا وفي المستقبل ، قطاع الدولة هو الضمانة الأساسية للمصالح الاقتصادية الوطنية والخصخصة إلغاء حماية هذه المصالح وما يواجهه القطاع العام العراقي معضلات مفتعلة ليست من طبيعته ، انجاز الاصلاح الزراعي الجذري ، الدور القيادي التوجيهي للدولة في التنمية الاقتصادية ، لا تعتبر الخصخصة الحل البلسمي أو نهاية المطاف لمعضلات القطاع العام العراقي في شأن المشاريع ذات العلاقة ومنها على الخصوص الصناعة النفطية والصناعة الكهربائية ، تحديد نطاق مساهمة القطاع الخاص في تنفيذ الخطط التنموية ، جدلية التنمية هي التفاعل البناء بين المصالح الخاصة والمصلحة الوطنية العامة لمواجهة جدلية التخلف بعناصرها التقليدية الداخلية والخارجية...

    يعتبر ظهور مجلس الأعمار الى الوجود بموجب قانون رقم (23) لسنة 1950 اثر أرتفاع حصة الحكومة العراقية من عائدات النفط من اجل تنظيم وتنفيذ الخطط التنموية.. يعتبر تاريخ بدايات التخطيط في العراق الا ان البعض يحلو له اعتبار الخطط والمناهج الاقتصادية منذ عام 1921 (ثمانية خطط استثمارية مركزية أعوام ( 27 - 1939))والتي رصد لها 42 مليون دينار ونفذ منها ما يعادل 12 مليون دينار فقط تخطيطا ايضا ! قبل تأسيس مجلس الأعمار اتسم الأقتصاد العراقي بهزالة الموارد المالية للدولة وضعف إمكانياتها المادية - التقنية وبالخضوع التام للسياسة الاقتصادية الكولونيالية وبقيت التخصيصات الاستثمارية تتسم بالفوضى.ووضع مجلس الأعمار خلال فترة نشاطه حتى عام 1959 (3) خطط ألغيت احداها قبل المباشرة بالتنفيذ. وقد عبر تأسيس مجلس الأعمار عن انتقال الدولة من إسناد الصناعة العراقية عن طريق المصرف الصناعي الى تدخلها المباشر في تطور القطاع الصناعي! وتوفير مصادر التراكم للرأسمال الصناعي في القطاع العام !.

   تأسس مجلس التخطيط بعيد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة على أنقاض مجلس الأعمار وليضع التخصيصات الاستثمارية  الدورية مما عزز من ريادة القطاع العام في الصناعات الارتكازية ، واشرف المجلس على وضع الخطط المركزية وهي: الخطة الأقتصادية المؤقتة   1959 -  1963، الخطة الخمسية الأولى 1961  -  1965 ، الخطة الخمسية الثانية 1965 -  1969 ... خطط التنمية القومية في العهد الدكتاتوري البائد . في عام 1960 صدر قانون جديد للتنمية الصناعية ليزداد عدد المؤسسات الصناعية من 150 وحدة فترة العهد الملكي الى 480 وحدة. وكانت الخطة الأقتصادية المؤقتة طموحة بحق اكدت على التصنيع حجر اساس في السياسة الأقتصادية وبدونه لايمكن البت بثمار الأستقلال الأقتصادي الناجز. 

     عجلت العائدات النفطية أواسط السبعينات من تنفيذ مشاريع الكهرباء وتبخترت الحكومة بعقودها السخية مع الاحتكارات الغربية لاقامة المشاريع الاقتصادية. وفرغت السياسة الأقتصادية للدولة التخطيط المركزي والتنمية من المضامين التحررية وادمجت مصالح الطغمة الحاكمة بالمصالح الرأسمالية وأحكمت من طوق التبعية للسوق الرأسمالية لتتفشى النزعة الاستهلاكية ويسود التبذير والنشاط الطفيلي . وتوزعت التوجهات الحكومية على عناوين أساسية منها : قانون مشاريع التنمية الكبرى رقم 157 لسنة 1973 ، التنمية الأنفجارية ، مشاريع البناء الجاهز وتسليم المفتاح، الخصخصة، اجازة اتحادات المقاولين وأرباب العمل والمصالح وتحجيم العمل التعاوني.... الخ. وقد ضربت التنمية الانفجارية  عرض الحائط بسياسة التخطيط والبرمجة وتقديم دراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع وتخلت عن التخطيط الإقليمي في توزيع المشاريع الاقتصادية، و أثارت الفوضى في نشاط الشركات الأجنبية وخلقت فجوة كبيرة بين القدرة على التنفيذ وبين المشاريع الكثيرة المتعاقد على تنفيذها مما أدى إلى رفع تكاليف تلك المشاريع أضعاف ما كان مقررا لها، إضافة إلى سياسة البذخ المفرط في إقامة تلك المشاريع. واقدمت الحكومة العراقية سنة 1988 على برنامج ضخم للانفتاح الاقتصادي والخصخصة باتجاه اقتصاد السوق الا انها قادت الاقتصاد الى فوضى شمولية .

   يتعارض التخطيط مع بريمرية الاحتلال الاميركي وشروطها  لتحقيق النمو الأقتصادي :إعادة توزيع إجمالية للموارد والأفراد بابعادهم عن سيطرة الدولة الى المؤسسات الخاصة، تعزيز التجارة الخارجية، تحشيد الرأسمال الوطني والأجنبي...وتشجع البريمرية القطاع الخاص على اعادة توزيع الموارد وتقليص وحتى الغاء الدعم للقطاع العام والسلع الأستهلاكية والضرورية للمواطنين بهدف زيادة الضرائب ورفع الأسعار وخفض القدرة الشرائية للمواطنين، واطلاق حرية السوق، واقحام اختراق الرأسمال الأجنبي لزيادة أرباحه وبالتالي خلق الخلل في الميزان التجاري لصالح الاستيراد على حساب التصدير والغاء دور السلطة في توجيه الاقتصاد ، وافقار الشعب ، والغاء دور الطبقة الوسطى ، وارساء أسس سيطرة حفنة من الأثرياء وحرامية القطط السمان على مقاليد الأمور. تهدف البريمرية تحويل العراق الى سوق حرة مفتوحة للبيزنس و بيعه بالخصخصة أي ليس اعمارا ( إعادة البناء ) او تخطيطا بل نقض بناء وتخطيط مسخ وفوضى دائمة بناءة! . فالبريمرية باختصار رهن و بيع لممتلكات الشعب العراقي و مستقبل العراق للشركات الأمريكية أو لعراقيين يعملون كواجهة لشركات أمريكية..وتسمح البريمرية بامتلاك الشركات الأمريكية ل 100% من قيمة المشروع وحق الشركات الأمريكية في تحويل 100% من أرباح المشروع خارج العراق، بينما تستخدم البنوك الأمريكية ودائع العراقيين لتسليف الحكومة العراقية و جني الأرباح و الفوائد.

   الخطة الاستثمارية ليست تخطيطا لأنها عملية تنسيق المشاريع المختلفة وبالاخص في القطاع العام ، وحساب تكاليفها المالية ، واساليب انجازها ، ومتابعة مراحل تنفيذها ، دون ان يرتبط ذلك بآثارها على مجمل الاقتصاد الوطني وآفاق تطوره من حيث الدخل القومي ومستوى الاسعار ومستوى المعيشة والتوازن بين مختلف القطاعات الاقتصادية . 

·       جدلية التنمية المستدامة

     التنمية المستدامة (Sustainable Development) هي إعادة توجيه النشاط الاقتصادى بغية تلبية الحاجات التنموية الماسة للدول والافراد والاجيال القادمة ، تلبية إحتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها ، واختيار الأنماط الاقتصادية والاجتماعية التنموية التي تتناسب مع الاهتمام البيئى الملائم،ومنع حدوث أضرار سلبية من دورها أن تنعكس على البيئة العالمية. ويواجه العالم خطورة التدهور البيئي الذي يجب التغلب عليه مع عدم التخلي عن حاجات التنمية الإقتصادية وكذلك المساواة والعدل الإجتماعي.

    التنمية المستدامة تعني :

§    الشفافية والإعلام والمشاركة وتحقيق العدل وضمان المواطنة ،الديموقراطية البيئية،حرية التعبير عن الرأي، حكم القانون ،المجتمع المدني ،السلم الأهلي ، واطلاق البدائل الديمقراطية في مجالات الادارة والتعليم وصياغة القرارات المصيرية.

§         الأولويات الجوهرية لحقوق الإنسان، حقوق الأطفال والحقوق المتساوية للمرأة ، ومكافحة التعذيب ونبذ عقوبة الإعدام، ومكافحة الإرهاب والفساد.

§         إدارة الموارد الطبيعية، الإدارة المستدامة للغابات، وخفض عمليات التجارة غير القانونية بالاخشاب،احتواء الاخطار البيئية ونتائج هوس الحروب والعسكرة ، والتنوع البيئي، والسياحة المستدامة.

    هناك ثلاثة عناصر أساسية في محتوى التنمية المستدامة وهي : إدماج الأطر البيئية والاقتصادية فى صنع القرار بهدف مراقبة الأداء البيئى والمحافظة على النظام البيئي وإعادة صياغة الأطر الاقتصادية والاجتماعية وتحسين أداء الأجهزة العامة المعنية بالبيئة وباتجاه التخطيط الاستراتيجي الاكثر شمولا وتضمين التنمية المستدامة فى خطط الموازنة التابعة للدولة ووضع برامج لدعم الطاقة والمواد ذات الكفاءة العالية ورفع مستوى الإدارة المعنى بإعادة تصنيع المخلفات ، توسيع المشاركة الاجتماعية فى إدارة النظام البيئى ، تعميم صنع السياسات البيئية على الصعيد الدولي.

   تشمل التنمية المستدامة المجالات الرئيسة المعروفة : النمو الاقتصادي، وحفظ الموارد الطبيعية والبيئة، التنمية الاجتماعية.  ومن أهم التحديات التي تواجهها التنمية المستدامة هي القضاء على الفقر، من خلال التشجيع على اتباع أنماط إنتاج واستهلاك متوازنة، دون الإفراط في الاعتماد على الموارد الطبيعية.  من جانب آخر تشمل التنمية المستدامة ( الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ) ميادين اساسية من شأنها التأثير مباشرة في الظروف المعيشية للناس ومنها المياه ، التموين الغذائي ، الصحة ، الخدمات العامة والسكن ، الدخل ... 

    تهدف التنمية المستدامة للمياه الى ضمان الإمدادات الكافية منها ورفع كفاءة استخداماتها في التنمية الزراعية والصناعية والحضرية والريفية، وتأمين الحصول عليها موقعيا للاستخدامات المنزلية والزراعية والاروائية وضمان الحماية الكافية للمسطحات المائية والمياه الجوفية وموارد المياه العذبة وأنظمتها الإيكولوجية. يؤدي ارتفاع ملوحة المياه في الأنهر الى زيادة الأملاح في التربة بينما يسبب ارتفاع ملوحة المياه (Salinity) الأثر البالغ على القيم التقنية للمكائن المائية الى جانب الكدارة (Turbidity) ، والنفاذية (Transparency) ، ومعدلات التبخر التي ترتفع عادة في فصل الصيف . وتؤثر على المسطحات المائية مجاري الفضلات ، وري الأراضي ، وقطع الأشجار في الغابات والبساتين ، وعموم النشاط الزراعي إضافة الى الانهيارات الصخرية ، ويؤثر الإنسان على النظام الكيميامائي للانهر وقد تتجاوز فضلاته الحدود المسموح بها من أوساخ . وعند إقامة المشاريع الصناعية عند الانهر وجب اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الموازنات المائية والحرارية ، وإمكانيات التبادل المائي مع الخزانات المائية ، ومستوى النظام الموجي ، ومنظومات التنظيف الطبيعية والوقاية البايولوجية الذاتية..الجدران والضفاف النهرية ومعالجة الانجراف فيها والغرين الذي يغيرها.وكذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الثروة السمكية وإنماءها بالأساليب التكنولوجية الحديثة ، وحماية الأنهر كمواقع سياحية وأماكن استراحة ومعالم تتطلب الوقاية . كما تستهدف التنمية المستدامة التخفيف من حدة التغيرات المناخية وتطوير قدرات التكيف في القطاعات الزراعية ومصائد الأسماك والغابات مع آثار هذه التغيرات عبر  الدعم الفني والتقني والأدوات السياسية والدعم المؤسساتي والسياسة الإرشادية واستشارية والفنية..

   تسعى التنمية المستدامة للتموين الغذائي الى رفع الإنتاجية الزراعية والإنتاج من أجل تحقيق الأمن الغذائي الإقليمي والتصديري وتحسين الإنتاجية وربحية الاستثمارات الصغيرة وضمان الأمن الغذائي المنزلي، مع ضمان الاستخدام الامثل والحفاظ على الأراضي والغابات والمياه والحياة البرية والأسماك وموارد المياه.  في الجانب الصحي تهدف التنمية المستدامة الرعاية الصحية والوقائية وتحسين الصحة والأمان في أماكن العمل ، وفرض معايير للهواء والمياه والضوضاء لحماية صحة البشر وتأمين الرعاية الصحية الأولية للفقراء، وضمان الحماية الكافية للموارد البيولوجية والأنظمة الإيكولوجية والأنظمة الداعمة للحياة. وتهدف التنمية المستدامة للخدمات العامة والسكن الى تأمين الإمدادات الكافية والاستعمال الكفء لموارد البناء ونظم المواصلات وضمان الحصول على السكن المناسب بالسعر المناسب بالإضافة إلى الصرف الصحي والمواصلات للفقراء ، وتأمين الاستخدام الامثل للأراضي والغابات والطاقة والموارد المعدنية.

    في جانب حيوي آخر الا وهو الدخل ، تسعى التنمية المستدامة الى زيادة الكفاءة الاقتصادية والنمو وفرص العمل ودعم المشاريع الصغيرة وخلق الوظائف وضمان الاستعمال الامثل للموارد الطبيعية الضرورية للنمو الاقتصادي في القطاعات الاقتصادية المختلفة . تسعى التنمية المستدامة الى تأمين حق الحياة والحق في توفر الظروف المعيشية الدنيا وحق العمل أي تأمين الدخل الثابت المتوازن لكافة ابناء الشعب وتوفير فرص العمل للمواطنين مع ايجاد نظم الضمان الأجتماعي والصحي والدراسي للجميع ..

    تلعب تقنية المعلومات دورا مهما في التنمية المستدامة عبر :

1.      تعزيز البحث العلمي وتطوير  تكنولوجيات المواد الجديدة والتكنولوجية المعلوماتية والاتصالات والتكنولوجيات الحيوية، واعتماد الآليات القابلة للاستدامة. المعارف والمعلومات تعد عنصرا أساسيا لنجاح التنمية المستدامة ولابد من نقلها الى العامة بامانة وكفاءة عبر الاتصالات والوسائط الملتيميدية والانترنيتية .

2.      تحسين الأداء المؤسساتي بالتكنولوجية الحديثة .

3.      تنمية  القدرات العلمية والتكنولوجية وفرص الابتكار لترسيخ  التنافسية وزيادة النمو الاقتصادي وايجاد فرص عمل جديدة وتقليص الفقر.

4.      المضي قدما للتحول الى المجتمع المعلوماتي وإدماج التكنولوجيات الجديدة في خطط واستراتيجيات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

5.      توسيع القاعدة المنظمة لاساسيات التحكم وتطبيقاته في المؤسساتية الاجتماعية.

6.      إعداد سياسات وطنية للابتكار واستراتيجيات جديدة للتكنولوجيا مع التركيز على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

7.      الدراسة الأكاديمية والشعبية للاقتصادين الكلي والجزئي (Macro & Micro).

8.      خفض الشدة الطاقية عبر رفع كفاءة إنتاج المواد الحاملة والناقلة للطاقة (Energy Carriers) وتقاس عادة بوحدة ( كيلوواط ساعة/طن من الوقود المحترق )،رفع كفاءة تقنيات استهلاك الطاقة ، التغيير الهيكلي في استخدام المواد كثيفة الطاقة (Intensive) وتقليص الطلب عليها في المستويات العليا للنشاط الاقتصادي..كل ذلك يعزز من ميل هبوط الطلب على الطاقة والتوجه الى انتاج السلع بدل إنتاج الخدمات! .

9.      تطوير البرامج الوطنية لحفظ الطاقة.

   ومثلما يستلزم التخطيط الاقتصادي والتنمية الاقتصادية الحقة تحقيق الاستقلال السياسي وانتزاع السلطة من القوى الطبقية الرجعية المختلفة ... فان التنمية المستدامة تتطلب هي الاخرى السيطرة على تطور العلاقات الانتاجية الرأسمالية وتحديدها في الريف.. فالتنمية المستدامة تنطلق من توفير كافة الظروف والإمكانيات التي يستطيع فيها الإنسان المنتج استعادة نشاطه تحت ظروف صحية لائقة مع تخصيص قسم من أرباح الإنتاج لتطوير النمو الاقتصادي، وحفظ الموارد الطبيعية وصيانة البيئة، ودفع عجلة التنمية الاجتماعية ضمن منظومة إنتاجية تتميز بالتخطيط والبرمجة بعيدا عن فوضى الإنتاج .وذلك يستلزم كحد أدنى الاستقرار الامني والالتزام بالمعاهدات الدولية وقرارات الأمم المتحدة واتخاذ إجراءات رادعة في مضمار حماية الشغيل والوقاية البيئية .

    تسير التنمية المستدامة في عمل موازي لاعمال الاعمار واعادة البناء عبر الموازنة الدقيقة العلمية بين التأثيرات السلبية والإيجابية للاعمار في مختلف الميادين . إن تأمين الأسس الطبيعية للحياة الانسانية عبر التنمية المستدامة والوقاية ضد الأخطار البيئية في الميادين الايكولوجية والايكونومية والاجتماعية وتكييف الجانب التكنيكي وفقا للجانب الطبيعي للحياة يعتبر اليوم أساس ضمان المستقبل الآمن السعيد . وتهدف ثقافة التنمية المستدامة إلى تطوير الوعي الانساني وخلق المعرفة الأساسية اللازمة بغية بلورة سلوك بيئي ايجابي بمثابة الشرط الأساسي كي يستطيع الفرد في المجتمع أن يؤدي دوره بشكل فعّال في الانماء الاجتمااقتصادي والمساهمة في الحفاظ على الصحة العامة.

·       تناقضات التنمية المستدامة في العراق

   يشهد العراق التدهور المريع المستمر في الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية والصحية لأبنائه منذ حرب الخليج الثانية وغزو الكويت والعقوبات الاقتصادية ، بسبب سياسات القمع والانتهاك الفظ لحقوق الإنسان الأساسية التي انتهجتها حكومة صدام في بغداد ، وكذلك تخبط سياسات الحكومات الانتقالية في عهد الاحتلال الاميركي الراهن. وفر النظام الدكتاتوري البائد اجواء الموت والدمار المخيمة على العراق لتجد الولايات المتحدة امامها الحجج للقيام بالعدوان وتشغيل آلتها المدمرة على ارض العراق وتطلق العنان لقراراتها السياسيــة ... والضحية الاولى هنا شعبنا العراقي . فتحولت القضية العراقية الى مشروع دائم للحرب والعدوان والدمار وباتت ابواب العراق مفتوحة امام السلاح الاميركي ياخذ طريقه حيثما يريد وكيفما يريد ...! ولتصبح مدن العراق اهدافا لذلك السلاح ! .

    تلوثت البيئة العراقية بالحروب الكارثية وبسبب احتراق او تسرب المواد الملوثة من المنشآت الصناعية ومنها ملايين الالتار من الوقود والزيوت والكبريت السائل والحوامض المركزة والمبيدات الكيمياوية واحتراق اطر السيارات وتعطل مصادر الطاقة الكهربائية والدمار الذي أصاب مصافي النفط وتوقف العمل في وحدات معالجة المياه الصناعية وارتفاع مناسيب المياه في المبازل وتدمير مرسبات الغبار في معامل الأسمنت وتوقف العمل في وحدات تصفية مياه الشرب ومحطات معالجة المياه الثقيلة وتدمير اكثر من (35%) من آليات البلديات وترك النفايات من دون طمر صحي، وبسبب المواد المشعة من الانفجارات وصناعة أسلحة الدمار الشامل العراقية. وشمل التلوث البيئي تلوث المياه وتلوث الهواء ، تلوث التربة والتلوث الضوضائي والتلوث البصري والتلوث الشمي والتلوث الاشعاعي والتلوث الكهرومغناطيسي. وسبب الحصار الاقتصادي والحظر النفطي اكبر الضرر بالكساء الأخضر والحيوانات البرية وعموم الثروة الحيوانية وزاد من عدد الإصابات بالأمراض الانتقالية . وتسببت حملات حكومة بغداد الدموية ضد الشعب الكردي وانفالياتها  والغزوات البرية التركية واعمال القصف المدفعي والجوي في شمال العراق زعزعة التوازن البيئي في كردستان .... بينما شكلت أعمال التهريب المتفاقم للثروة الحيوانية والاخشاب خطرا اضافيا هدد البيئة العراقية .

    أخلت الحروب قي بلادنا بالتوازن الاجتماعي والبيئي ، وكانت بحق سوقا خصبة لأسلحة الدول المتقدمة ومختبرا لتجريب آخر المبتكرات في مجال التسلح .. في حلبجة استخدم النظام العراقي الغازات السامة ليبيد 5000 مواطن برئ مسالم بينهم الاطفال والنساء ، وسبق له ان استخدم النابالم المحرم دوليا في قصف كردستان العراق ، كما استخدم الثاليوم لتسميم معارضيه دون ضجة وبهدوء ...واستعملت في حرب الخليج الثانية أخطر المبيدات والملوثات وبالاخص اليورانيوم المستنفذ (DU ) الذي يدوم نشاطه الاشعاعي 4.5 مليار سنة اي دوامه الى الابد ، ومع احتراقه ينبعث اوكسيد اليورانيوم السام المشع وينتقل في الهواء عدة كيلومترات لتستقر دقائقه في الاعضاء الحيوية بالاستنشاق والهضم ،  وليسبب آلام الرأس والامراض الخبيثة .  

   بعد التاسع من نيسان والاحتلال الاميركي دخل مسلسل الارهاب والتخريب والجريمة المنظمة في سياق نوعي جديد ضد بلادنا ومظاهر وجود الدولة الاساسية ، بهدف تحطيم ارادة الشعب وحركته الاجتماعية والديمقراطية والجمعيات الخيرية والطوعية.... الامر الذي تسبب في تراجع الثقافات الوطنية ومنها الثقافة البيئية خطوات كاملة الى الوراء لتحل محلها ثقافة وديمقراطية القطيع،الثقافة الشمولية الجديدة والهجينية الانتقائية النفعية ، ثقافة الموت والقبور ، ثقافة عناكب الشك والحذر وقيم النفاق والغدر والتآمر والاغتيال والأنانية والانتقام و القمع .... الثقافة السياسية المتهافتة واليقينيات المطلقة بامتلاك الحق المقدس،واساسها الجهل والفقر والتهميش وعدم الثقة بالمستقبل والوهم والوحشية وعقدة عنف كل خاسر حرب غير شريف. بعد التاسع من نيسان توسع التهجير القسري والفعاليات الارهابية لمرتزقة الاسلام السياسي المتطرف وشراذم البعث المنفلت وتعمقت ازمات البلاد الاجتمااقتصادية وتعقدت ازمات النقل والمرور .

   إن التنميتين الاقتصادية والاجتماعية وإجراءات صيانة البيئة والحد من تلوثها ينبغي أن تتم ضمن فعاليات التنمية المستدامة (Sustainable) في عمل مواز لاعمال اعمار واعادة بناء العراق فالموازنة الدقيقة في مشاريع اعمار العراق تتطلب الاهتمام بالاقتصاديات البيئية والسياسة البيئية الوطنية عبر الاجراءات التقنية والادارية وشحذ الوعي البيئي لدى عامة الناس لدفع عجلة التقدم الاجتماعي وخدمة الشعب العراقي . الاقتصاديات البيئية والسياسة البيئية الوطنية حدا مقص .. لا يستطيع احدهما ان يقطع بصورة صحيحة اذا فصل عن الآخر.

§        النفط

    يعتمد الاقتصاد العراقي اعتمادا شديدا على النفط. فاقتصاده نفطي في المقام الاول، إلا أنه ليس المورد الوحيد كباقي دول الخليج العربي.ويملك العراق احتياطي نفطي يزيد مرتين عن حجم احتياطيه المؤكد نتيجة لغياب عمليات الاستكشاف خلال العقدين الماضيين،المؤكد يقدر(113)مليار برميل والمحتمل نحو (220)مليار برميل. عراق اليوم أكثر اعتمادا على النفط من أي وقت مضى، فهو يمثل أكثر من90% من موارد الموازنة العامة وحوالي 70% من الناتج المحلي الاجمالي، و98% من الصادرات.

    تصاعدت هيمنة الدولة في الأقتصاد مع سيادة القطاع النفطي على مقدراته، وقبل النفط لعبت التجارة الخارجية مع بريطانيا الدور المحرك في هذا الأقتصاد حتى الحرب العالمية الثانية ،وبعد الحرب أصبحت عائدات النفط مصدر التمويل الرئيسي للميزانية الحكومية و مشاريع الأعمار. امتلكت عائدات النفط التأثير المباشر على ديناميكية الاقتصاد العراقي ، وهي أساس التمويل الاستثماري والصرفيات الحكومية ، وتوفر العملة الصعبة اللازمة للإيرادات والبرامج الإنمائية والنقد الضروري لحيوية الاقتصاد الوطني.يغذي النفط الميزانية العراقية الحكومية بقسط كبير من مواردها ويساهم في بناء الاحتياط النقدي أيضا،وتكتسب أسعاره المجزية الدور المتميز في الاقتصاد الوطني،وبه تزداد فرص نمو هذا الاقتصاد لتحسين معيشة الشعب. لكن نهج الحكومة المركزية في تقزيم النظام السياسي في العراق واحتكار السلطات وتغييب الديمقراطية والمؤسسات المدنية،وافتعال حربين مع دول الجوار قد أسس لتفريغ ميزانية الدولة ومراكمة الديون الأجنبية الضخمة وربط العراق بعجلة الوصاية المالية الدولية.ووفرت العقوبات الدولية الذرائع لتجميد التشريعات والقوانين والمضي قدما في ثنايا الانتقائية والتجريبية والنفعية التي خلقت وخلفت عماء السوق  Chaotic Market)).ولجأت الحكومة المركزية مرارا الى نهج قطع إيراد المحروقات ووقود السيارات الى مختلف المحافظات لتتصاعد أسعارها وتخلق الاقتصاد الأسود (Black Market) وتشجع ظاهرة الاستغلال الجشع والاحتكار لها في البيع والشراء والخزن .

      ترسخت العقوبات الأقتصادية في برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء حسبما ورد في قرار الأمم المتحدة المرقم 986 (SCR-986) الذي يعتبر حجر الأساس في الوصاية المالية الدولية على العراق.ولم يأت القرار المذكور لحل الأزمات الأقتصادية المستفحلة بل لتقديم المساعدات الإنسانية الممكنة ودرء الكارثة.أشرفت الحكومة العراقية على توزيع مواد مذكرة التفاهم في المناطق الخاضعة لسلطاتها كما أسرعت الوصاية المالية من تدويل الوظيفة الأقتصادية -  الخدمية للدولة العراقية ورحلتها الى مؤسسات خارجية تحت واجهة هيئات تابعة للأمم المتحدة او منظمات غير حكومية (NGOs).وشهدت حقبة 1991 - 2003 انخفاض حاد في القيمة الصناعية المضافة بسبب العقوبات الدولية وقرارات مجلس الأمن المتلاحقة(687،715،986،1051،1153،1284،1409) مع عرقلة مكشوفة من لجنة العقوبات لتخصيص المبالغ اللازمة لاستيراد قطع الغيار الضرورية لتشغيل وصيانة المرتكزات الأقتصادية.ولم ترجع المساعدات الإنسانية الحرارة الى الدورة الأقتصادية السلمية حيث عانت جميع المشاريع التي في عهدة الأمم المتحدة من بطء الأداء والعمل كما لم تخضع وكالات الأمم المتحدة نفسها وعموم التمويل الخارجي والأجنبي للرقابة،وتوسعت الميول التضخمية وتعمق التفاوت في الدخل . استمر الحال هكذا حتى سقوط النظام والاحتلال الأميركي . 

    اليوم كالامس رائحة النفط تزكم الأنوف وتسيل اللعاب... ومثلما شجع نظام صدام حسين عمليات تهريب الغازولين الى خارج العراق كوسيلة للالتفاف على العقوبات الدولية فان الأزمات الوقودية مستمرة جراء أعمال التخريب والتهريب ، تزويد سلطات الاحتلال بالنفط العراقي بسعر تفضيلي ضمن الاتفاقيات السرية التي فرضت على الحكومة العراقية لضمان الامدادات النفطية العراقية للولايات المتحدة الأمريكية لعقود قادمة ، تصدير النفط العراقي في غياب استخدام العدادات ، الشركات النفطية العراقية الوهمية خارج العراق التي تذلل  حصول الشركات الأحتكارية على العقود النفطية العراقية لقاء العمولات.. ، الفساد الاداري وغياب الرقابة الشعبية على الاعمال الحكومية و النشاط غير الحكومي ! هناك كميات كبيرة من الوقود "تختفي" من محطات الوقود أو من الخزانات التابعة للدولة، يسهم بذلك سائقو السيارات ( مهربجية السوق السوداء). وتخسر المدن العراقية مخصصاتها من النفط  على يد مسؤولي الحكومة واعضاء مجالس المحافظات والبلديات الذين يعملون مع وحدات قوات الاحتلال ....

    كانت وزارة النفط العراقية تدفع اكثر من 200 مليون دولار شهريا لاستيراد المنتجات النفطية التي سرعان ما يتم تهريبها الى خارج البلاد.وبالرغم من ملاحقة السلطات لقوارب الصيد والصهاريج النفطية وتقليل المعونات التي تدفع لها، الا انها أبدت ترددا في معالجة موضوع دعم المنتجات النفطية التي تباع بأسعار زهيدة للغاية.ومنذ الاحتلال وحتى الوقت الحاضر قام عدد من المسؤولين بتشكيل الشركات النفطية الوهمية خارج العراق لتسهيل حصول الشركات الأجنبية على العقود النفطية العراقية لقاء العمولات،ويجري تصدير النفط العراقي في غياب استخدام العدادات اي سهولة إمكانية التلاعب بالكميات المصدرة وعوائدها . وقامت سلطات الاحتلال من جهتها برهن كميات من النفط الاحتياطي لسنوات قادمة بما يعنيه من نهب ثروات البلاد ، ليجر تجهيز سلطة المحتل بالنفط العراقي بسعر منخفض جدا للبرميل الواحد اي عملية نهب وقرصنة تاريخية لا مثيل لها.لقد شجع الدستور الدائم وتخبط البرنامج الحكومي والخطط الدورية للقطاعات الاقتصادية على اعداد القوانين التي تغيب بشكل مرسوم ومتعمد، كل مصطلحات "التنمية" و"التحرر الاقتصادي" و"التقدم الاجتماعي" و"العدالة الاجتماعية"،لتتحول الخصخصة في نهاية المطاف الى إعادة توزيع الثروة لصالح البورجوازية المحلية والأجنبية وليتسنى بمقتضاها نزع ملكية الدولة ونقل أصولها الإنتاجية للقطاع الخاص بغض النظر عن هوية جنسيته.... قجاءت القوانين ومشاريع القوانين التالية تباعا لتعكس الطابع الطبقي لسلطة الدولة وسياستها في الميادين الاجتمااقتصادية ودور الوشائج الاصطفائية دون الوطنية في تمريرها. نفطنا، رصيدنا الكبير، أم مسمار نعشنا الأخير؟!.

1.      قانون استيراد وبيع المشتقات النفطية

2.      قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 الذي أقره مجلس الرئاسة في 30 نوفمبر 2006

3.      مشروع قانون النفط والغاز الجديد

4.      مشروع قانون الاستثمار الخاص في تصفية النفط الخام

   ما أخطأته نيران الحرائق أصابته مخالب اللصوص والمخربين!!. أفواج حماية أنابيب النفط تقود فرق الموت وتعمل بأيعاز من القوى الأرهابية. خلال الفترة من 12 حزيران  2003  حتى 4 ايار  2005 ، تعرض القطاع النفطي الى 227 حادثة هجوم وتخريب.ادت هذه العمليات الى حرمان العراق من نحو اربعة مليارات دولار سنويا من العوائد النفطية.والتخريب لم يقتصر على انابيب التصدير، وإنما شمل مختلف المنشآت النفطية ومن بينها انابيب النفط الخام التي تغذي مصافي النفط العراقية.ادى هذا الواقع الى حرمان العراق من استغلال طاقته التكريرية،الامر الذي فاقم من حدة الاعتماد على استيراد المنتجات النفطية ،حيث تراوحت كلفة شرائها  بين 2 و3 مليارات دولار سنويا.يضاف الى ذلك عمليات تهريب النفط ومشتقاته .إن عمليات التهريب تقدر بحوالي 700 مليون دولار شهريا كان يجب أن تدخل إلى خزائن الحكومة.ان تهريب النفط هو أستنزاف للثروة ووأد لحق الاجيال القادمة من ابناء الشعب العراقي !. الانفـراجات المؤقتة لإزمـة الوقود لا تعني حل المشكلة بل تجميدها كأبر المورفين وحبوب الهلوسة فالاقتصاد العراقي بشكل عام يغرق في ما يطلق عليه الركود التضخمي وعند مستويات تثير القلق في وقت ما زال قطاع النفط يعاني تدهورا في مستويات الإنتاج. خلص تقرير الشفافية الثالث الذي اصدره مكتب المفتش العام في وزارة النفط العراقية، الى ان مجموع ما أضاعه العراق منذ اوائل عام 2004 بلغ 24 مليار دولار.كان الانتاج المخطط لعام 2006 (2.665) مليون برميل يوميا والمتحقق( 1.950) مليون برميل يوميا، والفارق 715 ألف برميل يوميا لتبلغ الخسائر (40.66 )مليون دولار يوميا.  وبلغت نسبة الإنجاز السنوية للخطة الاستثمارية عام 2006 (17)% بواقع محلي و(6.9)% اجنبي. بات المواطن العراقي اليوم يضحك من مقولة ان بلده يعد ثاني بلد في العالم من حيث الخزين الاستراتيجي النفطي وهو يعيش ازمة محروقات ندر ان واجه مثلها في الماضي وندر ان واجهها بلد في العالم!.

§        الخدمات المعيشية الاساسية

   ادت آلية توزيع الحصص التموينية الدورية وفق برنامج النفط مقابل الغذاء الى انحسار كامل لمنافع الشعب العراقي بسبب تدخل جهات مختلفة غير حكومية وتحكمها بالبطاقة ومفرداتها، عدم توزيع النفط والغاز ضمن موادها في جميع المناطق رغم وجود قرار بذلك ، زيادة  ثمنها الى ثلاثة اضعاف، رداءة نوعية المواد الداخلة فيها، التفاوت في تجهيز مفرداتها ولا تستلم كاملة، عدم انتظام توزيع مواد البطاقة.... بينما تشير معدلات دليل التنمية البشرية والفقر في البلاد الى أوضاع مأساوية لارتفاع مستويات الفقر والبطالة ومعدلات التضخم.

    انعكست ازمة انقطاعات التيار الكهربائي وشحة قطع الغيار على اسالة الماء الصالح للشرب وديمومة ضخه الى المواطنين الامر الذي تسبب في تعطل وضعف صيانة معدات ضخ المياه الصالحة للشرب وازدياد تخسفات وتصدعات انابيب نقل الماء الصافي ،وانخفاض حصة المواطن من الماء الصافي الى نسب متدنية ،ولجوء الناس الى مضخات المياه الصغيرة وما يرافقها من اضطراب في التوزيع وازدياد في احتمالات التلوث، وانخفاض الكفاءة التشغيلية لمشاريع اسالة الماء الى اقل من 5% وتدني نوعية مياه الشرب وانخفاض تركيز مادة الكلور من 5 الى (1) ملغم/لتر.ويشكل تلوث مياه الشرب كارثة حقيقية، حيث أثبتت الدراسات والتحاليل المختبرية تلوثه بكتريولوجيا في كافة المدن العراقية بينما يسبب نقصان عنصر اليود التضخم في الغدد الدرقية .. وهذا نتاج طبيعي لأختلال التوازن بين العناصر الطبيعية في البيئة  بفعل تعرية التربة وبعض انواع الصخور وبواسطة المياه الجارية والامطار ... مثل الخارصين والكلور والسلييليوم . . 

    الانقطاعات في التيار الكهربائي ظاهرة تكرست بعد حرب الخليج الثانية وآثار الدمار الكبير الذي اصاب محطات الكهرباء في العراق والحصار الاقتصادي وفقدان السوق الوطنية للموارد الأولية وقطع الغيار الضرورية للصيانة والخدمات واعمال الحماية (PROTECTION). واستمرت هذه الظاهرة على حالها بعد مرور نصف عقد على سقوط الدكتاتورية.وتعتصر رحى النفط والكهرباء مواطني بلادنا باستثناء المسؤولين الكبار ومن يحيط بهم فهولاء من طينة سماوية صانهم الله وحفظهم من مخالب ازمات متواضعة كهذه وجعلهم فوق الازمات!.وحسب مكتب محاسبة الحكومة الاميركي فان العراق لازال بعيدا عن تحقيق الاهداف في قطاعي النفط والكهرباء ، وان هذين القطاعين بحاجة الى ما يقرب من 50 مليار دولار لتغطية الطلب في البلاد ، 27 مليار دولار منها للطاقة الكهربائية.

جدول توضيحي لانقطاع التيار الكهربائي في المحافظات العراقية  ايلول 2007

المدينة

عدد ساعات انقطاع الكهرباء يوميا

بغداد(الاحياء الشعبية)

بغداد (بشكل عام)

السماوة

الحلة

البصرة

24 ساعة

20 ساعة

15 ساعة